عبد الشافى محمد عبد اللطيف

119

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

وهي قد انتصرت على دولة ندّ لها وهي دولة الفرس التي كانت تنازعها زعامة العالم المعروف حينئذ ، فلو قدر النبي أن المسلمين سوف يضطرون لحرب الروم لأمدهم بإمدادات أكبر . على كل حال توجهت حملة مؤتة إلى وجهتها وعلى رأسها القواد الثلاثة الذين عينهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهم زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد اللّه بن رواحة ، فلما وصلت الحملة وعلم قوادها أن الروم جمعوا جموعهم لحربهم « أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم ، وقالوا : نكتب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال ، وإمّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له فشجع الناس عبد اللّه بن رواحة » « 1 » . أي : إن المسلمين قدروا خطورة الموقف وتدارسوه ، ولولا غلبة حماسة عبد اللّه ابن رواحة عليهم لربما اختلف الموقف واختلفت النتيجة . أو لو أرسلوا إلى النبي لكان من الممكن أن يمدهم بالرجال ، أو يرى رأيا فيه نجاحهم وانتصارهم ، ولكن قدر اللّه وما شاء فعل . سرت كلمات عبد اللّه بن رواحة في روح الجند وحمستهم للقتال خصوصا عندما قال : « يا قوم واللّه إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون ؛ الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ، ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين ، فانطلقوا فما هي إلا إحدى الحسنيين ، فقال الناس : صدق واللّه ، وساروا » . بدأت حرب عاتية شرسة بين جيشين ليس بينهما أدنى تكافؤ ، فماذا يصنع ثلاثة آلاف في مواجهة مائتي ألف من الروم والعرب الذين ينضوون تحت سلطانهم ، وقاتل جند اللّه - كما هو العهد بهم - قتالا مجيدا ، واستشهد قوادهم الثلاثة على التوالي ، ثم آلت القيادة إلى عبقري الحرب ، سيف اللّه خالد بن الوليد رضى اللّه عنه الذي نظر إلى الموقف نظرة ثاقبة ، وقدر بفطرته العسكرية ، وحرصه على المسلمين أن الاستمرار في الحرب أمر خطر قد يؤدي ببقية المسلمين ، ورأى أن الحكمة تتطلب منه أن ينقذ المسلمين من الهلاك فوضع خطته البارعة للانسحاب وانسحب بمن بقي من المسلمين وعاد إلى المدينة حيث استقبلهم الناس مظهرين استياءهم من موقفهم ، وعيروهم وقالوا لهم : « يافرار فررتم في سبيل اللّه » وكان تقدير الناس أنهم فروا من المعركة ولم

--> ( 1 ) انظر عن غزوة مؤتة المصادر الآتية : ابن هشام ( 2 / 420 ) ، الروض الأنف - السهيلي ( 2 / 12 ) وما بعدها . ابن سعد - الطبقات ( 2 / 128 ) وما بعدها . ابن الأثير - الكامل ( 2 / 235 ) .